يوسف المرعشلي

1021

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

وبعد حصوله على العالمية ، جلس لتدريس العلوم الشرعية بالجامع الأزهر ، وتدريس الحديث خاصة بالمسجد الحسيني ، فكانت دروسه غاصّة بالعلماء والطلاب لحسن تقريره وسعة اطلاعه وقوة ذكائه وصرفه للتكلف وكرهه للمكابرة والتعسف إلا مع البعض كما سيأتي . وكان له في دروسه نوادر غريبة وحكايات عجيبة . قال في « البحر العميق » : كان رحمه اللّه فقيها مبرزا في مذهب مالك ، متضلعا من علوم العربية والبلاغة ، مشاركا في غيرها ، وانقطع قبل وفاته بنحو عشرين سنة لتدريس الحديث خاصة بالمسجد الحسيني مع التفسير ، فختم « الجامع الصغير » و « الموطأ » و « رياض الصالحين » و « حاشية مختصر البخاري » لابن أبي حمزة الشنواني وغيرها مع « تفسير البيضاوي » ، وكان دؤوبا على الدرس لا يعطله طول السنة حتى أيام العطلة الرسمية الصيفية ، فكان ينفرد فيها بالتدريس بالقاهرة . له في دروسه مناوشات ومضاربات ونوادر غريبة مشهورة عنه شاهدنا منها الكثير ، فكان إذا سأله سائل يجيبه أول مرة ، فإذا أعاد عليه السؤال للتحقيق وحل ما أشكل من جوابه يبادر بقوله : اسكت . . . فمنهم من يتحمل له ذلك ومنهم من يقوم ومنهم من يشتمه بالمثل فيضربه بنعله أو ينزل إليه من الكرسي ويتقاتلان ، رأيت هذا منه مرارا ، منها مرة مع رجل صعيدي غريب نزل إليه من الكرسي وقام الطلبة يفرقون بينهما وأخرجوا الرجل من المسجد إلخ ا ه . وأخذ عنه خلائق لا يحصون ، وتخرّج به الجمع الغفير ، ولا زال بعض تلاميذه الذين درسوا عليه بالأزهر في عافية وللّه الحمد يذكرون نوادره وسعة علمه وتقريره القوي . قال تلميذه شيخنا العلامة محمد مصطفى أبو العلا حفظه اللّه تعالى : كان الحميدي والمطيعي ومخلوف والدجوي هم علماء الزمان لا يعلوا عليهم في علوم الأزهر أحد ، ولم نر مثلهم أو من يدانيهم ، وذلك مع الحظ الوافر والإقبال الظاهر ، مع ورع شديد وزهد في مزيد ، مع المواظبة على العبادة والطاعة ، وشرف نفس وقناعة ، وتواضع عظيم ، وخلق حسن وإحسان - ا ه . وفاته ذكر محمد الشرقاوي النجدي شيخ الشافعية وأحمد نصر العدوي وعبد المجيد الشرنوبي وغيرهم ، ولعله أراد ذكر مشايخه فقط . ومن الفوائد النادرة عنه : قال سيدي أحمد بن الصديق الغماري في « البحر العميق » في ترجمته : « مما أفادني به المترجم أن مقدمات ابن رشد ، المطبوعة هي أقل من نصف الكتاب ، وأن الأصل بتمامه موجود عند ساسي المغرب الكتبي طابع المدونة والمقدمات ، وحثّ عليّ في أخذه منه والسعي في طبعه إن أمكنه ، فذهبت إلى الرجل وقابلت المطبوع بالمخطوط فإذا المطبوع أقل من الجزء الأول بنحو كراس أو كراسين ، فحاولت شراءه منه فامتنع قائلا إنه أعده للطبع ، ثم مات ولم يفعل ، فاتصلت بورثته فلم أنجح في أخذه منهم . أه . وتوفي المترجم له ليلة السبت 6 صفر الخير سنة 1353 ه ، ودفن في عصره قريبا من شيخه شيخ الإسلام محمد أبي الفضل الجيزاوي المتوفى سنة 1346 ه ، رحمهما اللّه تعالى وجزاهما عن الإسلام خير الجزاء . محمّد السّباعي « * » ( 000 - 1332 ه ) محمد بن إبراهيم بن محمد ، أبو عبد اللّه السباعي : مؤرخ أصولي لغوي . من أهل مراكش . نسبته إلى قبيلة « أبي السباع » وهي قبيلة عربية شنقيطية الأصل . انتهت إليه رياسة الفتوى في مراكش . وكان ديّنا نزيها ، يكره الرياء ، شديد الشكيمة على المبتدعين سجن مرات ، وأبعده سلطان مراكش إلى فاس ، مدة ، لإنكاره على المتملقين ، فألف كتابا في أسباب نفيه معتذرا عن نفسه وعن السلطان بكونه لا تبلغه الأشياء على حقيقتها ، وأن حاشيته تلبّس عليه توصّلا لأغراضها . وتوفي بمراكش . من كتبه : - « البستان الجامع » . ( خ ) . مجلد مبتور الآخر عليه

--> ( * ) « معجم الشيوخ » : 1 / 55 - 61 ، و « التيمورية » : 2 / 98 ، و « دليل مؤرخ المغرب » : 1 / 131 ، و « الأعلام » للزركلي : 5 / 305 .